محمد جواد مغنية
81
في ظلال الصحيفة السجادية
لأمرك ) أي للإسلام وسيطرته حتّى أذّل الأديان بجهاد محمّد ، وحكمته ( وعرّض فيك للمكروه بدنه ) بعث سبحانه محمّدا صلّى اللّه عليه واله إلى المشركين ، والضّالين ، ليستأصل الفساد من جذوره ، فيقضي على العقائد الفاسدة ، والتّقاليد الموروثة ، فامتثل ، وبدأ يعيب عليهم دينهم ، وعاداتهم ، ويتوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب اللّه ، فحاولوا جاهدين أن يثنوه بالحسنى عن عزمه فلم يسمع ، فأغروه بالملك ، والمال فرفض . وعندها صمموا على إيذائه ، والتّنكيل به ، وبمن اتبعه من النّاس ، ولكنه صبر ، واحتمل الكثير من المشقة ، والمصاعب ، وما من أحد ناصر الحقّ بقول ، أو فعل إلا ودفع ثمنه غاليا من نفسه ، وأهله ، أو من ماله ، وعرضه حتّى ولو كان المتكبر على الحقّ فردا لا فئة ، أو مجتمعا ، فكيف إذا ناضل الفرد الأعزل أمّة ، أو شعبا ؟ . ( وكاشف في الدّعاء إليك حامّته ) ، وهي الجماعة الّتي تحميه ، وتذب عنه ( وحارب في رضاك أسرته ) الّذين أصروا على الشّرك كعمّه أبي لهب ( وأقصى الأدنين على جحودهم ، وقرّب الأقصين على استجابتهم لك ، ووالى فيك الأبعدين ، وعادى فيك الأقربين ) قال الإمام عليّ عليه السّلام : « إنّ وليّ محمّد من أطاع اللّه ، وإن بعدت لحمته - أي نسبه - وإنّ عدو محمّد من عصى اللّه وإن قربت قرابته » « 1 » ، وعلى هذا الأساس قرب محمّد الأباعد المطيعين للّه ، وأبعد الأقارب المتمردين على طاعة اللّه ، وهذا هو شأن من أخرج الدّنيا من قلبه ( وأدأب ) من الدأب بمعنى الجدّ في العمل ، والاستمرار عليه ( إلى ملّتك ) إلى دينك ، وشريعتك ( لأهل دعوتك ) وهم أهل بيته الأطايب ، وعلماء الصّحابة الّذين حفظوا سنته ، وأقواله ، ونشروها من بعد . ( وهاجر إلى بلاد الغربة . . . ) كان المسلمون في مكّة ضعافا مغلوبين على
--> ( 1 ) انظر ، نهج البلاغة : 4 / 22 ، الحكمة ( 96 ) ، شرح نهج البلاغة : 18 / 252 .